الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

41

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و الْأَنْعامِ زينة لأهل الوبر قال تعالى : وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ [ النحل : 6 ] . وفيها منافع عظيمة أشار إليها قوله تعالى : وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ الآيات في سورة النحل [ 5 ] ، وقد لا تتعلّق شهوات أهل المدن بشدّة الإقبال على الأنعام لكنّهم يحبّون مشاهدها ، ويعنون بالارتياح إليها إجمالا . وَالْحَرْثِ أصله مصدر حرث الأرض إذا شقّها بآلة ليزرع فيها أو يغرس ، وأطلق هذا المصدر على المحروث فصار يطلق على الجنّات والحوائط وحقول الزرع ، وتقدم عند قوله تعالى : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ في سورة البقرة [ 223 ] وعند قوله : وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ [ البقرة : 71 ] فيها . والإشارة بقوله : ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا إلى جميع ما تقدم ذكره ، وأفرد كاف الخطاب لأنّ الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلم أو لغير معيّن ، على أنّ علامة المخاطب الواحد هي الغالب في الاقتران بأسماء الإشارة لإرادة البعد ، والبعد هنا بعد مجازي بمعنى الرفعة والنفاسة . والمتاع مؤذن بالقلة وهو ما يستمتع به مدة . ومعنى وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ أنّ ثواب اللّه خير من ذلك . والمآب : المرجع ، وهو هنا مصدر ، مفعل من آب يئوب ، وأصله مأوب نقلت حركة الواو إلى الهمزة ، وقلبت الواو ألفا ، والمراد به العاقبة في الدنيا والآخرة . [ 15 - 17 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 15 إلى 17 ] قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 15 ) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 16 ) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ ( 17 ) استئناف بياني ، فإنّه نشأ عن قوله : زُيِّنَ لِلنَّاسِ [ آل عمران : 14 ] المقتضي أنّ الكلام مسوق مساق الغضّ من هذه الشهوات . وافتتح الاستئناف بكلمة قُلْ للاهتمام بالمقول ، والمخاطب بقل النبي صلّى اللّه عليه وسلم . والاستفهام للعرض تشويقا من نفوس المخاطبين إلى تلقّي ما سيقصّ عليهم كقوله تعالى : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [ الصف : 10 ] الآية .